جاري التحميل...

حين تصبح شاشة التواصل الاجتماعي وطناً موازياً: كيف أعاد الفلسطينيون تعريف المسافة؟

Published:

الثلاثاء, سبتمبر 1, 2026

بيسان شلالدة

في عصرنا الرقمي المتسارع، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً هاماً، لم يعد مقتصراً على جماعة أو طبقة أو فئة عمرية محددة، لقد انخرط الجميع في الأمر.

لم تعد مثلاً تطبيقات التواصل الاجتماعي مجرد تطبيقات للمراسلة الفورية، أو وسيلة لتبادل الصور والملفات. بالنسبة للفلسطينيين، الذين يعيشون واقعاً تفرضه الجغرافيا المعقدة، والمسافات التي تبتلعها الحواجز والإغلاقات، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى “مساحة حياة” موازية، ومكان يجمع الشتات، ويختصر الطرقات التي قطعتها أنياب الاستيطان ومقصات التقسيم الجغرافي. إنها حكاية “المجموعات”؛ تلك النوافذ الرقمية التي قرر من خلالها الفلسطينيون أن يبقوا متصلين، رغم كل محاولات الفصل والإبعاد.

من الحارة إلى الشاشة.. حين تصبح مجموعات التواصل الاجتماعي مكاناً للقاء

هناك عائلات فلسطينية توزعت بين محافظات مختلفة، أو بين الداخل والشتات، لم تعد الزيارات واللقاءات العائلية سهلة كما كانت. فالإغلاقات والحواجز وصعوبة التنقل تجعل الوصول من مدينة إلى أخرى أحياناً أمراً يحتاج إلى وقت وجهد، وقد تحرم بعض أفراد العائلة من الاجتماع في المناسبات أو حتى في الأيام العادية.

في هذه المساحة، تأخذ مجموعة العائلة على وسائل التواصل الاجتماعي دوراً يتجاوز تبادل الرسائل. تصبح أشبه بـ”حارة” تجمع أفرادها في مكان واحد؛ يتبادلون فيها أخبارهم اليومية وصورهم، ويسألون عن بعضهم، ويتابعون تفاصيل حياة من لا يستطيعون رؤيته بشكل مستمر.

وفي المناسبات، تصبح المجموعة أكثر حضوراً؛ تهنئة بالعيد، صورة من مناسبة عائلية، رسالة للاطمئنان على أحد الأقارب، أو مكالمة فيديو تجمع الغائبين بالحاضرين. تفاصيل بسيطة، لكنها تمنح أفراد العائلة شعوراً بأنهم ما زالوا جزءاً من حياة بعضهم، حتى عندما تمنعهم المسافات والظروف من الاجتماع في المكان نفسه.

بهذا المعنى، لم تعد “مجموعة العيلة” مجرد محادثة على الهاتف، بل مساحة يحاول أفرادها من خلالها الحفاظ على شكل من أشكال القرب، حتى وإن كان اللقاء هذه المرة يتم عبر الشاشة.

مساحة بلا حواجز

لم يكن إنشاء “رقية بريجية” لمجموعة العائلة على وسائل التواصل الاجتماعي مجرد إضافة عدد من الأسماء إلى محادثة واحدة؛ كان محاولة لجمع أفراد عائلة فرّقت بينهم المحافظات والبلدان، وجعلت ظروف الإغلاق حتى اللقاءات القريبة أكثر صعوبة.

تقول “رقية بريجية”، وهي المسؤولة عن المجموعة، إنها عندما طرحت فكرة إنشائها على أفراد العائلة، وجدت ترحيباً وتشجيعاً منهم، بعدما رأوا فيها فرصة للحفاظ على التواصل والاقتراب من بعضهم، رغم تباعد أماكن وجودهم، فمنهم من يعيش في محافظات مختلفة، ومنهم من يقيم خارج البلاد.

ولا تتعامل “رقية بريجية” مع صفتها كمسؤولة للمجموعة على أنها سلطة على ما يدور فيها. فهي لا تحذف الرسائل ولا تحدد أوقات الحديث، وتترك أفراد العائلة يتواصلون بالطريقة التي يريدونها. بالنسبة لها، المجموعة مساحة مفتوحة يحتاجون إليها، خصوصاً في وقت أصبحت فيه المساحة الواقعية أضيق بسبب الإغلاقات وصعوبة التنقل واللقاء.

وتقول إن دورها لم يكن أكثر من إنشاء المجموعة وإضافة أفراد العائلة إليها، مؤكدة أنها مثلهم تماماً، تدخل لتتحدث معهم وتتبادل الرسائل والصور. وتضيف: “أنا فقط مثلهم، أحب أن أتحدث معهم وأتبادل الرسائل والصور. دوري كان إنشاء المجموعة وإضافة أفراد عائلتي ولمّ شملهم داخل جروب العيلة”.

حين لا تكفي الشاشة

لا تحمل مجموعات العائلة على وسائل التواصل الاجتماعي الشعور نفسه لدى الجميع. فبينما يجد فيها البعض وسيلة تحافظ على القرب وتخفف وطأة الغياب، يرى آخرون أنها لا تستطيع أن تعوّض دفء اللقاء الحقيقي، خصوصاً لدى كبار السن الذين ارتبطت المناسبات بالنسبة لهم بالاجتماع وجهاً لوجه، لا برسائل وصور تصل عبر الشاشة.

يقول “الحاج أحمد سليم يحيى”، وهو أحد كبار السن في مجموعة عائلية، إنه لا يفضل التواصل مع أبنائه وبناته عبر مكالمات وسائل التواصل الاجتماعي، حتى عندما تتيح له رؤية وجوههم. ويقول: “هذا لا يعوضني عن رؤيتهم وحضنهم وضجة العائلة، لكن ما باليد حيلة. نرضى بالواقع وباللقاء الإلكتروني بسبب الأوضاع والبعد”.

في المقابل، ترى “غادة خريوش”، المقيمة في الأردن، أن وجود المجموعة خفف عنها كثيراً من شعور البعد، فأصبحت تتواصل باستمرار مع أفراد عائلتها وتشاركهم تفاصيل حياتها وتطوراتها. وتستذكر بسعادة تمكنها من حضور إحدى المناسبات العائلية عبر مكالمة فيديو، بعدما منعها وجودها خارج البلاد وظروف الحرب من العودة والمشاركة حضورياً.

لكن القرب الإلكتروني لا يكون مريحاً للجميع. يقول “علاء نصار”، وهو عضو آخر في مجموعة عائلية، إنه لا يحب فكرة استمرار تبادل الرسائل طوال الوقت، لأنه لا يستطيع دائماً متابعة المحادثات والرد عليها. ويضيف أن أكثر ما يزعجه هو أن يُلام من أفراد عائلته بسبب غيابه عن المجموعة أو عدم تفاعله المستمر معها.

أما “حنان أبو سارة”، وهي من سكان الخليل، بيت أمر، فتجد في المجموعة شيئاً مختلفاً؛ فهي سعيدة بوجودها، خصوصاً بعد زواجها وتفرقها عن إخوتها وانشغال كل منهم بحياته. وتقول إن لقاءهم المستمر أصبح أكثر صعوبة، فهي تعيش في بيت أمر بالخليل، بينما يعيش أهلها في بيت لحم، ولا تستطيع زيارتهم بسهولة بسبب الحواجز والمستوطنين، لذلك تمنحهم المجموعة فرصة للبقاء على تواصل، حتى لو لم تعد اللقاءات كما كانت.

هكذا، لا تبدو مجموعة العائلة على وسائل التواصل الاجتماعي تجربة واحدة بالنسبة إلى الجميع؛ فما يراه أحدهم وسيلة للقرب، قد يراه آخر بديلاً ناقصاً عن اللقاء، وقد يجد فيه ثالث مساحة لا يرغب في البقاء حاضراً فيها طوال الوقت.

حين يصل خبر الفقد إلى المجموعة

في إحدى مجموعات العائلة، لم تكن الرسالة التي وصلت في صباح أحد الأيام تشبه بقية الرسائل. كان الخبر وفاة أحد أفراد العائلة، وسرعان ما تحولت المحادثة من الأحاديث اليومية إلى التعزية والدعاء، ثم بدأت صور الراحل وذكرياته تظهر بين الرسائل.

تقول “وسام بني عودة”، المقيمة في العراق، إنها عرفت بالخبر من خلال المجموعة، وبقيت تتابع ما يكتبه أفراد عائلتها وما يرسلونه من صور وتفاصيل عن الساعات الأولى بعد الوفاة. كانت حاضرة معهم عبر الهاتف، لكنها كانت تدرك في الوقت نفسه أن وجودها خلف الشاشة لا يشبه وجودها بينهم.

وتقول: “كنت أقرأ الرسائل وأشوف صورته، وأشوف أهلي وهم يتحدثون عنه، لكن كان نفسي أكون بينهم. المجموعة خلتني أعرف شو بصير وأشاركهم، لكنها ما عوضت عن وجودي معهم في ذلك اليوم.”

بعد ذلك، بقيت صور الراحل ورسائله القديمة حاضرة في المجموعة، وأصبح المكان الذي كان يجمع أفراد العائلة في أحاديثهم اليومية يحتفظ أيضاً بذكراه. بالنسبة لـ”وسام”، لم تكن المجموعة قادرة على تغيير حقيقة الغياب، لكنها جعلتها أقرب إلى عائلتها في لحظة كان فيها البعد أكثر وضوحاً من أي وقت آخر.

خرج من الأسر.. وبقيت المسافة

ولا ترتبط المسافة دائماً بالحواجز وصعوبة التنقل؛ ففي بعض الحالات تبدأ بعد انتهاء الأسر نفسه. يقول “م. ع”، وهو أسير محرر أُبعد خارج فلسطين، إن زوجته وابنائه ما زالو في فلسطين، ما جعل التواصل عبر الهاتف ومجموعات التواصل الاجتماعي جزءاً من تفاصيل حياته اليومية معهم.

من خلال المجموعة، يتابع أخبار عائلته ويشاركهم بعض تفاصيل يومه، ويحاول أن يبقى حاضراً في حياة زوجته وابنائه رغم البعد. فالمحادثة التي تجمع أفراد الأسرة في مكان واحد على الشاشة تمنحه فرصة للتواصل معهم، حتى في الوقت الذي لا يستطيع فيه أن يكون بينهم بشكل مباشر.

بالنسبة لـ”م. ع”، لا تلغي الرسائل والمكالمات أثر الإبعاد، لكنها تجعل المسافة أقل قسوة، وتمنحه وسيلة للبقاء قريباً من عائلته ومتابعة تفاصيل حياتهم. وهنا تأخذ مجموعات التواصل الاجتماعي معنى يتجاوز التواصل العادي؛ فهي تصبح إحدى الطرق التي يحافظ من خلالها الغائب على مكانه داخل حياة من تركهم خلفه.

خاتمة

في واقع فلسطيني تتبدل فيه فرص اللقاء، وتفرض الظروف على العائلات أن تعيش متباعدة، أصبحت مجموعات التواصل الاجتماعي جزءاً من تفاصيل علاقتهم اليومية. لكن ما يحدث داخلها ليس واحداً بالنسبة للجميع؛ فهناك من يجد فيها قرباً وطمأنينة، ومن يراها وسيلة ضرورية للبقاء على تواصل، بينما يظل آخرون يرون أن شيئاً من دفء اللقاء لا يمكن أن ينتقل عبر الشاشة.

من أنشأ المجموعة ليجمع أفراد عائلته، إلى من شارك مناسبة عائلية من خلف شاشة هاتفه، وصولاً إلى من يفضّل الابتعاد عن الرسائل المتواصلة، تكشف هذه التجارب أن “جروب العيلة” لم يعد مجرد محادثة عابرة، بل مساحة يتعامل معها كل فرد وفق حاجته ومشاعره.

وربما لا تستطيع هذه المساحة أن تجمع العائلة في المكان نفسه، لكنها في كثير من الأحيان تمنحهم شيئاً بسيطاً ومهماً: أن يعرفوا أخبار بعضهم، أن يشاركوا لحظاتهم، وأن يظل بينهم خيط من التواصل، حتى عندما يصبح اللقاء وجهاً لوجه أمراً صعباً.