رام الله – كيف يختار الصحفي الفلسطيني المصطلح الذي يصف به الحدث؟ وهل تعدد الخطابات الفلسطينية يضعف السردية أم يثريها؟ وكيف يحافظ الصحفي على مهنيته عندما يصبح النشر نفسه مصدراً للخطر؟ وماذا يفعل عندما تحذف منصة رقمية محتواه أو تقيد وصوله؟ وكيف يحمي حساباته ومصادره وبياناته قبل وقوع الاختراق؟
هذه الأسئلة وغيرها كانت محور نقاشات امتدت على مدار يومين ضمن ورشة نظمها مشغل فلسطين للصحافة (PJH)، وجمعت صحفيين وممثلين عن مؤسسات إعلامية من الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق الـ48، إلى جانب أكاديميين وخبراء في الإعلام والقانون والحقوق الرقمية والأمان الرقمي.
انطلقت النقاشات من واقع العمل اليومي للصحفيين وغرف الأخبار، لكنها تجاوزت توصيف التحديات إلى محاولة بلورة أسئلة وممارسات عملية يمكن أن تساعد الصحفي في التفكير بلغته ومصادره وسلامته وقراراته التحريرية، وفي حماية نفسه ومصادره ومحتواه وبياناته في الفضاء الرقمي.
السردية الفلسطينية: الاختلاف ليس المشكلة
أحد أكثر النقاشات عمقاً تناول العلاقة بين السردية الفلسطينية والمصطلحات المستخدمة في الإعلام.
قدم صالح مشارقة، المحاضر في الإعلام في جامعة بيرزيت، قراءة للسردية باعتبارها أوسع من البيانات الرسمية والخطاب السياسي؛ فهي تتشكل أيضاً من الذاكرة الجمعية ومن تفاصيل الحياة اليومية وتجارب الناس العاديين.
وبهذا المعنى، يمكن لتفصيل صغير في حياة طفل فلسطيني، أو مزارع يحاول الوصول إلى أرضه، أو عائلة تعيش النزوح، أن يفسر جانباً من الواقع ويوصله إلى الجمهور بفاعلية قد لا يحققها خطاب مؤسساتي كامل.
وقاد النقاش إلى تمييز مهم بين السردية والخطابات التي تعبّر عنها.
ففي جوهرها، هناك سردية فلسطينية تاريخية واضحة تقوم على تجربة شعب هُجّر واقتُلع من أرضه، وما زال يناضل من أجل حقوقه والعودة والتحرر من الاحتلال والظلم الواقع عليه.
لكن الفلسطينيين يعيشون تجارب مختلفة في غزة والضفة الغربية والقدس ومناطق الـ48 والشتات، ومن الطبيعي أن تنتج هذه التجارب خطابات وأشكال تعبير مختلفة.
وبالتالي، لا يشكل تعدد الخطابات مشكلة بحد ذاته. الإشكال يبدأ عندما تتعارض هذه الخطابات بطريقة تحجب السياق، أو عندما تعيد الصحافة، من دون وعي، إنتاج مفاهيم ومصطلحات تتناقض مع الواقع الذي تحاول تفسيره.
وهنا يصبح وعي الصحفي بكل كلمة وصورة ومصدر وتوصيف جزءاً من مسؤوليته المهنية.
المصطلح ليس مجرد كلمة
المصطلح الإعلامي ليس اختياراً لغوياً منفصلاً عن الصحافة؛ فهو جزء من الإطار الذي يفهم الجمهور من خلاله الحدث وسياقه.
وناقش المشاركون كيف يمكن للمفردات المستخدمة في المصادر السياسية والدولية والإسرائيلية أن تنتقل إلى غرف الأخبار، ومنها إلى الجمهور، من دون مراجعة كافية للسياق الذي أنتجها.
وخلال مداخلة عبر الإنترنت، أشارت د. منى مجدي إلى تقرير حديث بعنوان «كيف تعبر الرواية الإسرائيلية إلى الشاشات العربية؟»، يتناول كيفية انتقال المفردات والروايات من المصادر الإسرائيلية إلى التغطية الإعلامية العربية، ودعت المشاركين إلى الاطلاع عليه.
ويضع ذلك الصحفي أمام مجموعة من الأسئلة التحريرية: هل هذه لغتي المهنية أم لغة المصدر؟ هل تصف الكلمة الواقع أم تحمل حكماً سياسياً أو أيديولوجياً؟ هل ينبغي أن أنسب المصطلح إلى قائله بدلاً من استخدامه كحقيقة؟ وما السياق الذي يحتاج إليه الجمهور حتى يفهم المقصود؟
فاللغة الصحفية الدقيقة لا تعني لغة منزوعة من الواقع، كما أن المهنية لا تعني فصل الحدث عن سياقه.
السلامة ليست الخوذة فقط
في جلسة تناولت العلاقة بين المهنية والسلامة والمخاطر القانونية، طرح الحقوقي وليد الشيخ معضلة تواجه الصحفي في بيئات العمل المعقدة:
هل أحافظ على مهنيتي أم أحافظ على سلامتي؟
وأظهر النقاش أن سلامة الصحفي أوسع من الحماية الجسدية في الميدان. فهناك مخاطر قانونية ورقمية ونفسية ومؤسساتية وسياسية واجتماعية، وقد يأتي الخطر من الميدان، أو القانون، أو السلطة، أو المؤسسة الإعلامية، أو المجتمع المحيط بالصحفي.
وأكد الشيخ أن المخاطر في العمل الصحفي لا يمكن إنهاؤها بالكامل، وأن المطلوب هو فهمها وتقليلها والاستعداد للتعامل مع آثارها عندما تقع.
لكن إدارة المخاطر لا تعني التراجع عن تناول القضايا الحساسة. فبعض أكثر الملفات حاجة إلى الصحافة تقع أصلاً على خطوط تماس سياسية واجتماعية واقتصادية.
التحدي ليس في تجنب هذه الملفات، وإنما في وجود صحفي يمتلك المعرفة والسياق والوعي القانوني، وغرفة أخبار قادرة على مساعدته في اتخاذ القرار المهني وتقليل المخاطر.
نقل الواقع لا يعني نقله بلا سياق
ناقشت الجلسة عدداً من المعضلات المتعلقة بالخطاب التحريضي، والغضب الشعبي، والصور الصادمة، والتوصيفات المستخدمة في الأخبار.
فقد يحتاج الصحفي، لأسباب مهنية، إلى نقل خطاب تحريضي لفهم حدث ما، لكن إعادة نشر الخطاب كما هو قد تؤدي إلى إعادة إنتاج التحريض نفسه.
وهنا يصبح السؤال: ما الذي يحتاج الجمهور فعلاً إلى معرفته؟ وكيف يمكن نقله مع الإسناد والتفسير والسياق الضروري؟
وينطبق الأمر أيضاً على توثيق الغضب الشعبي. فقد ينقل الصحفي صورة حقيقية لما يحدث، بينما يمكن لطريقة تقديم المادة أن تحول التوثيق إلى تهييج أو تحريض.
وتظهر المعضلة نفسها عند نشر الصور الصادمة. فكون الصورة حقيقية لا يجعل نشرها تلقائياً القرار التحريري الصحيح. يجب التفكير في قيمتها الإخبارية، وأثرها على الضحايا وعائلاتهم والجمهور، وفيما إذا كانت تضيف معرفة ضرورية أم تستخدم الصدمة لجذب الانتباه.
التوصيف قرار مهني أيضاً
عندما يصف الصحفي حدثاً فإنه يختار بالضرورة مصطلحاً، وكل مصطلح يحمل معنى وسياقاً.
استخدام توصيف، يطرح سؤالاً مهنياً: على أي أساس يستخدم الصحفي المصطلح؟ هل هو توصيف صحفي للحدث، أم توصيف قانوني، أم مصطلح منقول عن مصدر ينبغي إسناده إليه؟
ولا يعني ذلك الامتناع عن استخدام الكلمات التي تصف الواقع، وإنما امتلاك القدرة المهنية على تفسير الاختيار والدفاع عنه.
ومن هنا تأتي أهمية معرفة الصحفي بالقوانين والتعريفات المتعلقة بالتحريض وخطاب الكراهية والذم والقذف والتحقير والتشهير وغيرها من المفاهيم التي قد تتقاطع مع عمله.
التحقق من المصدر لا يعني معرفة اسمه فقط
من النقاط المهمة التي برزت خلال النقاش توسيع مفهوم التحقق من المصدر.
معرفة هوية الشخص لا تكفي.
على الصحفي أن يسأل أيضاً: هل هذا الشخص مخوّل بالحديث عن هذه المسألة؟ ما علاقته بالمعلومة؟ ما مسؤوليته؟ وكيف حصل عليها؟
ويصبح الإسناد الدقيق جزءاً أساسياً من عملية التحقق: ما الذي قاله المصدر فعلاً؟ وما الذي استنتجه الصحفي؟ وأين ينتهي الخبر ويبدأ التعليق؟
ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الفصل الواضح بين الخبر والرأي، وتعدد المصادر، وتجنب تحول تعليق الصحفي أو تفسيره إلى حقيقة غير منسوبة داخل المادة.
الاجتزاء قد يغيّر الحقيقة
أكد النقاش كذلك مخاطر اقتطاع المعلومات والتصريحات من سياقها.
فالاجتزاء ليس دائماً مجرد اختصار. قد يؤدي حذف جزء من السياق إلى تغيير معنى التصريح أو الحدث نفسه، وبالتالي إنتاج رواية تختلف عن الحقيقة التي كان يفترض أن تنقلها المادة الصحفية.
وتزداد أهمية ذلك مع انتشار المقاطع القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لثوانٍ من مقابلة طويلة أن تنتشر بمعزل عما قيل قبلها وبعدها.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال المهني فقط: هل الاقتباس صحيح؟ بل أيضاً: هل بقي معناه صحيحاً بعد اقتطاعه؟
قبل أن تضغط نشر
يمكن تلخيص جانب مهم من النقاش في مجموعة أسئلة ينبغي أن ترافق القرار التحريري:
هل يخدم النشر المصلحة العامة؟ هل تحققت من المصدر ومن أهليته للحديث، وليس فقط من هويته؟ هل وضعت التصريح أو الصورة في سياقهما؟ هل فصلت الخبر عن رأيي وتعليقي؟ هل المصطلحات التي استخدمتها دقيقة ويمكن الدفاع عنها مهنياً؟ هل أعيد نشر خطاب تحريضي دون ضرورة؟ وهل يمكن أن يعرّض النشر المصدر أو الضحية أو الصحفي نفسه لضرر يمكن تجنبه؟
ليست لهذه الأسئلة دائماً إجابة واحدة ونهائية، لكنها تجعل القرار التحريري أكثر وعياً، وأقل خضوعاً لضغط السرعة أو السبق الصحفي.
عندما تتحكم الخوارزمية في الوصول
انتقلت نقاشات اليوم الثاني إلى تحدٍ أصبح جزءاً أساسياً من واقع الصحافة الفلسطينية: الفضاء الرقمي وسياسات منصات التواصل الاجتماعي.
ناقش جلال أبو خاطر، مدير السياسات في مركز حملة، وأحمد قاضي الانتهاكات الرقمية وسياسات شركات التكنولوجيا الكبرى وتأثيرها على المحتوى الفلسطيني.
وتعرّف المشاركون إلى «حر» – المرصد الفلسطيني للانتهاكات الحقوقية الرقمية، الذي يستقبل ويوثق ويتابع حالات حذف المحتوى وإغلاق الحسابات وتقييد الوصول وغيرها من الانتهاكات الرقمية.
وكان الحظر الظلي (Shadow Banning) من الظواهر التي تناولتها الجلسة، حيث يمكن أن ينخفض وصول حساب أو محتوى بصورة كبيرة من دون أن يتلقى صاحبه إشعاراً واضحاً بوجود تقييد.
كما نوقشت سياسة Dangerous Organizations and Individuals (DOI) لدى Meta، وكيف يمكن لأنظمة الإشراف الآلية أن تربط كلمات أو أسماء أو رموزاً بتصنيفات تؤدي إلى تقييد المحتوى أو حذفه.
ومن الأمثلة التي طرحت كلمة «شهيد». ووفق ما أوضحه المتحدثون، فإن استخدامها ليس محظوراً تلقائياً في جميع الحالات، لكن القيود قد تظهر عندما ترتبط بشخص أو جهة تصنفها المنصة ضمن سياستها المتعلقة بالمنظمات والأفراد الخطرين.
والقضية الأوسع، كما ظهر في النقاش، ليست كلمة بعينها، وإنما العلاقة بين السياق واللغة والموقع الجغرافي والتصنيف الخوارزمي ودرجة الشفافية في قرارات الحذف والتقييد.
المحتوى الفلسطيني أمام سياسات المنصات
تناولت الجلسة أيضاً ما وصفه مركز حملة بالتفاوت في تطبيق سياسات المنصات على المحتوى الفلسطيني، مقارنة بالتعامل مع محتوى تحريضي باللغة العبرية.
وعرض المتحدثون أمثلة وبيانات من عمليات الرصد، وأشاروا إلى حالات جرت متابعتها مع Meta وأقرت الشركة لاحقاً بأن قرارات إزالة المحتوى فيها اتخذت بالخطأ.
كما نوقشت العلاقة بين التحريض الرقمي باللغة العبرية والعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون على الأرض، إضافة إلى القيود التي قد تطال المحتوى الفلسطيني حتى عندما يكون صحفياً أو توثيقياً.
ويضع ذلك الصحفي أمام تحدٍ مزدوج: الالتزام بالمعايير المهنية وسياسات النشر، وفي الوقت نفسه معرفة حقوقه وآليات الاعتراض والتوثيق عندما يرى أن محتواه قُيّد بصورة غير مبررة.
لا تجعل منصة التواصل هي مؤسستك الإعلامية
خرجت الجلسة برسالة عملية واضحة للصحفيين والمؤسسات:
لا تضع أرشيفك وجمهورك ووجودك المهني كله في منصة واحدة.
إذا كان أرشيف مؤسسة إعلامية وجمهورها موجودين حصراً على Facebook أو Instagram أو TikTok، فإن قراراً واحداً من شركة خاصة قد يهدد سنوات من العمل.
لذلك يصبح الاحتفاظ بموقع أصلي للمؤسسة، ونسخ مستقلة من المواد والأرشيف، وتنويع منصات النشر والتوزيع، جزءاً من حماية المؤسسة نفسها.
منصات التواصل أدوات مهمة للوصول إلى الجمهور، لكنها ليست بديلاً عن امتلاك المؤسسة لمحتواها وأرشيفها.
حُذف محتواك؟ وثّق قبل أن تعترض
عندما تتعرض مادة أو حساب للحذف أو التقييد، يمكن لجودة التوثيق أن تكون حاسمة في متابعتها.
ينبغي الاحتفاظ برابط المادة، واسم الحساب ومعرّفه، ولقطات شاشة للمحتوى وقرار المنصة، وتاريخ الحذف أو التقييد، وتاريخ الاعتراض، والرقم المرجعي للحالة، وأي رد يصل من المنصة.
ومن المهم متابعة الحالة منذ أول تقييد، وعدم الانتظار حتى يتعرض الحساب للإغلاق الكامل.
لكن الأفضل أن يبدأ التوثيق قبل المشكلة. ينبغي للمؤسسة والصحفي الاحتفاظ مسبقاً بالمعلومات الأساسية المتعلقة بالحسابات والمواد، لأن بعض هذه البيانات قد يصبح غير متاح بمجرد حذف الحساب.
وأشار ممثلو مركز حملة إلى إمكانية متابعة الحالات التي تصل إلى المركز ومخاطبة المنصات بشأنها، وإلى وجود قنوات يمكن، في بعض الحالات، أن تساعد في إحالة قرارات آلية إلى مراجعة بشرية.
الأمن الرقمي يبدأ قبل الاختراق
الأمن الرقمي ليس برنامجاً يتم تثبيته بعد حدوث المشكلة، بل سلسلة من القرارات والممارسات اليومية تبدأ بمعرفة: ما الذي أحاول حمايته؟
وكان تصنيف البيانات من أولى الممارسات التي نوقشت: ما المعلومات العامة؟ وما المعلومات الشخصية؟ وما البيانات الحساسة التي يمكن أن يؤدي كشفها إلى ضرر للصحفي أو المصدر أو المؤسسة؟
فالخبر المنشور لا يحتاج إلى مستوى الحماية نفسه الذي تحتاجه هوية مصدر سري، كما أن الأرشيف العام لا يعامل بالطريقة نفسها التي تعامل بها المقابلات غير المنشورة أو البيانات الشخصية.
ويأتي بعد ذلك تحديد من يحتاج إلى الوصول إلى البيانات، وأين ينبغي تخزينها، وما إذا كان التخزين المحلي أو السحابي هو الخيار الأنسب لطبيعتها.
كلمة مرور واحدة قد تفتح كل الأبواب
من الممارسات الأساسية التي تناولتها الورشة استخدام كلمات مرور طويلة وفريدة لكل حساب، وعدم إعادة استخدام كلمة المرور نفسها عبر خدمات متعددة.
فالاستيلاء على كلمة مرور واحدة معاد استخدامها قد يمنح المهاجم إمكانية الوصول إلى عدة حسابات في الوقت نفسه.
وجرى التأكيد على أهمية استخدام مديري كلمات المرور وتفعيل المصادقة متعددة العوامل (MFA)، مع توضيح أن تطبيقات المصادقة أو مفاتيح الأمان يمكن أن توفر، في بعض الحالات، حماية أقوى من الاعتماد على الرسائل النصية وحدها.
وعلى مستوى المؤسسة، ينبغي أيضاً مراجعة من يمتلك صلاحيات الدخول إلى الحسابات المهنية، وتجنب ربط إدارة الحسابات بشخص واحد أو جهاز واحد من دون ترتيبات واضحة لاستمرارية الوصول الآمن.
لا تثق بالرسالة لأنها تحمل اسماً تعرفه
يشكل التصيد الإلكتروني (Phishing) أحد المخاطر اليومية التي تواجه الصحفيين.
قد تظهر الرسالة باسم شخص أو مؤسسة معروفة بينما تأتي فعلياً من عنوان مختلف، أو يحتوي اسم النطاق على تغيير صغير يصعب ملاحظته.
لذلك يحتاج الصحفي إلى فحص المرسل والمحتوى والسياق معاً.
هل كنت أتوقع هذه الرسالة؟ هل عنوان البريد صحيح؟ هل من الطبيعي أن يطلب مني هذا الشخص ملفاً أو كلمة مرور أو تحويلاً مالياً؟ وهل يقود الرابط فعلاً إلى الجهة التي يدعي تمثيلها؟
لا توجد علامة واحدة تثبت بالضرورة أن الرسالة احتيالية، لكن اجتماع عدة مؤشرات ينبغي أن يدفع الصحفي إلى التوقف والتحقق قبل الضغط على رابط أو تنزيل ملف.
الصورة قد تقول أكثر مما تراه فيها
من المخاطر التي قد يغفل عنها الصحفي البيانات الوصفية (Metadata).
فالصور والفيديوهات والوثائق قد تحتوي على معلومات لا تظهر في المادة نفسها، مثل الموقع الجغرافي أو الجهاز المستخدم أو بيانات تقنية أخرى.
وفي بيئة صحفية عالية الخطورة، قد تكشف هذه المعلومات موقع صحفي أو مصدر أو شخص جرى تصويره.
لذلك ينبغي فحص المواد الحساسة قبل مشاركتها وإزالة المعلومات غير الضرورية منها، سواء كانت بيانات وصفية أو أسماء كاملة أو أرقام هواتف أو عناوين أو وجوهاً أو معلومات طبية ومالية قد تعرض أصحابها للخطر.
وهنا يلتقي الأمن الرقمي مباشرة مع مبادئ الصحافة: حماية المصدر، والخصوصية، والموافقة، وعدم التسبب بالضرر.
الأدوات مهمة… لكن السلوك أهم
ناقشت الورشة أدوات مختلفة للتصفح والاتصال والتخزين وإدارة كلمات المرور والخصوصية، لكن الخلاصة لم تكن أن على الصحفي تثبيت أكبر عدد ممكن من التطبيقات.
الأهم هو أن يعرف لماذا يستخدم الأداة، وما الذي تحميه، وما الذي لا تستطيع حمايته.
فالـVPN، مثلاً، ليس حلاً سحرياً لكل مخاطر الإنترنت، كما أن استخدام تطبيق اتصال آمن لا يحمي الصحفي إذا كان جهازه نفسه غير مؤمّن أو إذا تعرضت بيانات الدخول إلى الاختراق.
الأمن الرقمي في جوهره ممارسة مستمرة، وليس مجموعة تطبيقات.
غرفة الأخبار الآمنة تبدأ قبل الأزمة
الخيط الذي جمع كثيراً من نقاشات اليومين هو أن الصحفي المحترف وحده لا يكفي لبناء صحافة قادرة على الصمود.
تحتاج غرفة الأخبار أيضاً إلى سياسات تحريرية واضحة، وإجراءات للتحقق، ووعي قانوني، وآليات لاتخاذ القرارات الصعبة، ونظم لحماية البيانات والحسابات والمصادر، وطريقة لتوثيق الانتهاكات والتعلم منها.
والقاعدة المشتركة بين السلامة الميدانية والقانونية والتحريرية والرقمية واحدة تقريباً:
لا يمكن إنهاء جميع المخاطر، لكن يمكن فهمها وتقليلها والاستعداد للتعامل مع آثارها.
غزة والضفة والـ48: الاختلاف جزء من الصورة
أتاحت الورشة مساحة للصحفيين من قطاع غزة والضفة الغربية ومناطق الـ48 لمقارنة تجاربهم المهنية، وأظهر النقاش حجم الاختلاف في البيئات القانونية والسياسية والأمنية والاجتماعية التي يعملون داخلها.
كما كشف عن فجوات في معرفة كل طرف بتفاصيل الواقع الذي يعمل فيه الآخر، وعن أثر التجزئة الجغرافية والسياسية في معرفة الفلسطينيين بتجارب بعضهم بعضاً.
لكن هذه الاختلافات أعادت النقاش إلى نقطة البداية: السردية المشتركة لا تعني أن تكون التجارب متطابقة أو أن يتحدث الجميع بالطريقة نفسها.
فهم الاختلاف قد يكون، على العكس، شرطاً لفهم الصورة الفلسطينية كاملة.
ومن هنا، لا تتمثل مهمة الصحافة في البحث عن خطاب واحد يلغي بقية الخطابات، وإنما في إنتاج صحافة دقيقة وواعية بالسياق، قادرة على استيعاب التجارب المختلفة ومنع الاختلاف بينها من التحول إلى خطابات متعارضة تحجب الحقيقة بدلاً من أن تكشفها.
وفي بيئة تتداخل فيها المخاطر السياسية والقانونية والاجتماعية والرقمية، يصبح وعي الصحفي بالسياق وبأدواته وبحدود قراراته جزءاً أساسياً من المهنية نفسها:
أن يعرف ماذا ينشر، ولماذا ينشره، وبأي لغة، ومن أي مصدر، وما الضرر المحتمل، وكيف يحمي نفسه ومصادره ومادته الصحفية من دون أن يتخلى عن حق الجمهور في المعرفة.




