جاري التحميل...

 بيئة إجتماعية آمنة للصحفيات.. من كسر الصمت إلى معرفة الحقوق

Published:

الأربعاء, سبتمبر 2, 2026

غزة – ليست كل المخاطر التي تواجهها الصحفيات مرئية. فإلى جانب الاستهداف ومخاطر الميدان والتنقل، وضغوط الحرب والنزوح والعمل في ظروف قاسية، تواجه الصحفيات تحديات أخرى أقل ظهوراً، لكنها تترك آثاراً عميقة على شعورهن بالأمان وقدرتهن على مواصلة العمل، من بينها التحرش والمضايقات داخل بيئة العمل أو أثناء التغطية الميدانية.

وفي خضم الحرب وواقع الاحتلال ، غالباً ما تتراجع هذه القضايا إلى الخلف، إذ تفرض النجاة ومواصلة العمل أولوياتها القاسية. والأصعب أن كثيراً من الصحفيات لا يجدن مساحة آمنة للحديث عنها أصلاً، في ظل غياب أو ضعف الأطر المؤسسية، والعمل الصحفي المستقل، وخصوصاً بين الجيل الشاب، إلى جانب ثقافة اجتماعية قد تجعل الحديث عن التحرش شديد الحساسية، أو تدفع الصحفية إلى الصمت خشية اللوم أو عدم التصديق أو خسارة فرصة العمل.

من هنا، نظم مشغل فلسطين للصحافة في غزة ورشة تدريبية للصحفيات حول الأمان الاجتماعي في بيئة العمل الصحفي، والوقاية من التحرش وكيفية التعامل معه مهنياً داخل المؤسسات الإعلامية وفي الميدان، فاتحاً مساحة لقضية غالباً ما تبقى مسكوتاً عنها، رغم تأثيرها المباشر على الصحفيات وسلامتهن المهنية والإنسانية.

أهمية الورشة لم تكن في تقديم المعلومات وحدها، بل في توفير مساحة للاستماع. مساحة استطاعت فيها الصحفيات، بعيداً عن ضغط القصة والميدان، أن يتحدثن عن مواقف وتجارب وأسئلة ربما لم يجدن من قبل مكاناً مناسباً لطرحها، وأن يتعرفن إلى طرق أكثر مهنية وأماناً للتعامل معها.

وكان لهذا الأمر أهمية خاصة للصحفيات الشابات والعاملات بشكل مستقل، اللواتي يعملن في ظروف بالغة الهشاشة؛ بين النزوح والخيام وأماكن العمل المؤقتة، وعدم استقرار المؤسسات أو مصادر الدخل، وضغط العمل في الميدان. وهي ظروف قد تجعل الحديث عن الحقوق والحماية أكثر صعوبة، وتدفع الصحفية أحياناً إلى الصمت عندما تتعرض لموقف غير آمن.

فالتحرش لا يحدث في فراغ، وقد يتقاطع مع اختلالات القوة داخل بيئة العمل، ومع اعتماد الصحفية على فرصة أو مهمة أو مصدر دخل، ومع غياب جهة واضحة يمكن اللجوء إليها. وفي بعض الحالات، يصبح الصمت وسيلة لحماية الذات من تبعات قد تكون مهنية أو اجتماعية أثقل من القدرة على تحملها.

لذلك، ركزت الورشة على كيفية التعرف إلى السلوك غير الآمن، ووضع الحدود، والتعامل مع الموقف، وطلب الدعم، ومعرفة الخيارات المتاحة، إلى جانب مسؤولية المؤسسات الإعلامية في بناء بيئة تحمي الصحفيات وتحترم كرامتهن.

وشهدت الورشة تفاعلاً لافتاً ونقاشاً غنياً، مع طرح تجارب وأسئلة مختلفة عكست حجم الحاجة إلى هذه المساحات؛ ليس فقط للتوعية، وإنما لكسر العزلة التي قد تفرضها هذه القضايا على الصحفيات، وإتاحة الفرصة لفهمها والتعامل معها دون خوف أو وصمة.

وفي واقع تهيمن عليه أخبار القصف والاستهداف والنزوح والبقاء، قد يبدو الحديث عن الأمان الاجتماعي تفصيلاً ثانوياً. لكنه بالنسبة للصحفية التي تواجه الخطر من أكثر من جهة، جزء من سلامتها لا يمكن فصله عن سلامتها المهنية والجسدية والنفسية.

وتأتي هذه الورشة ضمن رؤية مشغل فلسطين للصحافة في توفير بيئة داعمة للصحفيين والصحفيات، لا تقتصر على تطوير مهاراتهم المهنية، وإنما تلامس أيضاً القضايا التي تؤثر في قدرتهم على ممارسة المهنة بأمان وكرامة. ويشكل الأمان الاجتماعي أحد هذه الجوانب، بما يتيحه من معرفة ومساحة للتعبير وطلب الدعم، ويمنح الصحفيات مزيداً من القوة والجرأة في التعامل مع الانتهاكات والمواقف غير الآمنة، بدلاً من مواجهتها منفردات أو تحت وطأة الصمت.

كما يسهم هذا النوع من المساحات في نقل المسؤولية من الصحفية وحدها إلى المؤسسات الإعلامية والجهات ذات العلاقة، من خلال تعزيز الوعي بضرورة وجود سياسات واضحة وآليات آمنة للتعامل مع التحرش والمضايقات، وعدم ترك الصحفيات أمام خيارات فردية في مواجهة قضايا ترتبط بسلامة بيئة العمل ككل.

وتأتي ورشة غزة ضمن سلسلة من الورش والتدريبات التي يعتزم مشغل فلسطين للصحافة تنفيذها للصحفيات في فلسطين، بما يشمل الضفة الغربية، بهدف تعزيز بيئات عمل .صحفية أكثر أماناً ودعماً، وترسيخ مفهوم الأمان بوصفه جزءاً أساسياً من الحق في ممارسة المهنة، وليس امتيازاً إضافياً