جاري التحميل...

تجارة الجوع في غزة: حين تتحوّلُ الإغاثة إلى غابةٍ بلا رِقابة

Published:

الأربعاء, سبتمبر 2, 2026

تحقيق يكشف بشهاداتٍ خاصّة فوضى المساعدات الغذائية في قطاع غزة وسط تغييب الرِّقابة؛ كيف تحوَّل الفساد الإغاثي إلى تجارةٍ مُنظَّمة ومَحميَّة، تُعمِّق قهر النازحين وتسرق قوت أطفالهم.

بيسان الشرافي

نحو ثلاث سنواتٍ مرّت على بداية الإبادة المُستمرّة في قطاع غزة، ولا يزال (غ.ب) ينتظر الحصول على حقّه في “طردٍ غذائيّ”، بينما يُراقِب من مكان نزوحه عائلاتٍ تفترشُ الشارع داخل خيامٍ بالية، خاليةٍ من أيّ مؤنٍ تسدّ جوع الأطفال. وعلى الرصيف المقابل، تصلُ إلى جيرانِه مُعوناتٌ تفيضُ عن حاجتهم فيُقرّرون بيعَها؛ ليجدَ نفسَه عالقًا وسط منظومةٍ من العشوائية الإغاثية التي لا تراه.

في قطاع غزة، حيث لا معاييرَ واضحة للاستحقاق ولا قاعدة بياناتٍ مُوحّدة للمُستفيدين، باتت المُساعداتُ سلعةً تُباع في الأسواق، في الوقت الذي ترفض فيه جهاتٌ إغاثية آليات التنسيق والتنظيم، وتتصارع أخرى لفرض نفوذٍ اجتماعيّ وسياسيّ على الأرض، تاركين الناسَ في مَهبّ العوَز والجوع.

يكشف هذا التحقيق كيف تتقاطع حالة الفوضى الإغاثية مع غياب الرقابة القانونية، لنُجيب على السؤال الذي يتردّد منذ أكثر من 1000 يومٍ في مخيّمات النزوح بغزة: أين تذهبُ حقوق الناس؟ وكيف تتحوّل المساعداتُ من أداةٍ للإغاثة إلى سبيلٍ للثروة لدى قِلة، بينما يزدادُ حرمانُ الأغلبية؟ وهل تظلُّ الفوضى الثغرة المثالية التي تسمحُ باستمرار السرقات، واستباحةِ مُقوّمات الصّمود؟!

عشوائية الإغاثة

إنّ المبادئ الدّولية والقوانين الوطنيّة الناظمة للعمل الإغاثي تُوجِب عدالة الاستهداف عبر قواعد بيانات موحدة ومعايير شفافة، لكن الواقع يكشف فجوةً سحيقة بين هذه المبادئ والممارسة الفعلية. يصفُ لنا المواطن (غ.ب) المشهد، بعد تنقّله بين 11 مكانَ نزوحٍ “في كلّ مرةٍ أتواصل فيها مع لجنة الحيّ حيث كنتُ أسكن، لأسألَ عن حقي في الطّرود- التي يُفترض أنها تصل على أسمائنا هناك- يُخبرونني أنّ ما يصل يكون للتسليم المباشر والتصوير، من يحضر يستلم”. ويُضيف “التوزيع غير عادل، ومنذ بداية الحرب لم نعرف يومًا ما هي معايير الاستفادة وأين تذهب حقوقُنا”.

ينسحبُ الأمر ذاته على عمل العديد من التكايا والمطابخ الميدانية؛ التي تُدار بسياساتٍ قائمةٍ على العشوائية وغياب العدالة. يوضّح محمد ابراهيم الذي يعمل في إحدى لجان الطوارئ المحلّية بغزة، أنّ “التكايا تحوَّلت في كثير من الأحيان إلى أنشطة استعراض إعلامي لجلب التمويل، مع غياب شبه تام للرّقابة على جودة ما يُقدَم للناس”. وكشف وُجود “تمييز جغرافي، فبينما تتكدّس أكثر من تكية في منطقة واحدة، تنعدم تمامًا في مناطقَ أخرى”.

 1 يستند هذا التحقيق في معايير المساءلة والنزاهة إلى: المعايير الإنسانية الدولية (أسفير)، والقوانين الوطنية (قانون رقم 1 لسنة 2000 بشأن الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية في فلسطين، ولائحته التنفيذية- قرار مجلس الوزراء رقم 9 لسنة 2003)، ودليل منع الفساد في المساعدات الصادر عن الائتلاف من أجل النزاهة والمُساءلة (أمان). 
 2 تم اعتماد ترميز الاسم الحقيقي لبعض المصادر في التحقيق للحفاظ على خصوصيتها، أو لحمايتها من أيّة تبعات أمنيّة و/ أو مهنيّة.  
3 تم اعتماد اسم مستعار للمصدر، بناءً على طلبه، لأسباب متعلّقة بطبيعة عمله.

وفي شهادة خاصة حصلنا عليها، من مُشرف على عمل تكية إغاثية في إحدى المناطق بقطاع غزة، نتحفظ على اسمه، يظهر أن بعض القائمين على التكايا يُجبِرون الناس على القبول بحصص غذائية عديمة الجودة (للتصوير والتوثيق للمُتبرِّع) مُقابل تسليمهم أرغفة من الخبز الذي بات شحيحًا، مُستغلّين حاجتهم إليه، فيأخذ الأهالي الخبز ويلقون الطعام على الأرض لرداءته الشديدة. يُوضح لنا صاحب الشهادة ما يجري خلف الكواليس “يشتري المُبادر أو صاحب التكية موادَّ مُتدنّية الجودة لانخفاض أسعارها، ويسرق فارق التكلفة لحسابه الخاص، دون أن يعلم المُتبرّع شيئًا عن هذا، إذ تصلهم صور النازحين وهم يحصلون على الطعام بشكل طبيعي، وفوقها عبارات امتنانٍ، تكون مُلقَّنة لهم بالطبع”.

وللتحقّق من تفاصيل هذه الشهادة، توجّهنا إلى عددٍ من المواطنين، فأقرّوا بها، وأشاروا إلى خوفهم في كثير من الأحيان على صحّتهم وأطفالهم من طعام التكايا، كما تحدّثوا عن شعورهم بالذلّ وامتهان كرامتهم الإنسانية بفعل هذه الممارسات وغيرها. قالت لنا السيّدة (ر.ع) وهي أم لطفليْن “ألا يكفي كل ما جرى لنا، فقدنا بيوتنا ومصدر دخلنا، ونعيش في خيام، والآن نقف ساعات في طابور التكية، لنحصل في النهاية على حساء لا يقبل أحد تناولَه”.

وعن بيع العائلات للطرود الغذائية، يقول المواطن (ي.د) “نبيعها لنحصل على سيولة لشراء احتياجات أخرى، أو لكون الطرد مكررًا، إن لم نبِعه سيتلف في ظروف التخزين السيئة داخل خيام النزوح”. هذا السلوك، وإن كان وليد الحاجة، لكن يعكس خللًا إداريًا أكبر؛ يكشفه مدير مشاريع في مؤسسة إغاثية، نتحفّظ على اسمه. يقول “أفادنا نازحون بتورّط إدارات مراكز إيواء بممارسات محسوبية وتسريب طرود غذائية للسوق السوداء، ولهذا يُطالبوننا بتسليمهم المعونات مباشرة وعدم وضعها في مخازن المركز”. تُفضي هذه الممارسات- وفق المصدر- إلى “تكرار استلام الطرد الغذائي نفسه عدة مراتٍ لمواطنين، فيما يُحرم منه آخرون بأمسِّ الحاجة إليه، ويُجبَرون على شرائه بأسعار مرتفعة”.

المستشار القانوني والخبير في قضايا الفساد، د. سامي غنيم، يُفسّر عمليًا أين يكمن الخلل في العملية الإغاثية، في ضوء تلك التجاوزات؛ يقول “الأصل أن تستمرّ عملية إدارة التدخّلات الإغاثية حتى مرحلة تسليم الطرد الغذائي للمُستفيد النهائي، لكن ما يحدث على الأرض هو أنّ الأمر ينتهي بتسليم الطرود لمركز الإيواء أو للمُبادر، بدون أيّ متابعة أو رقابة لاحقة على آلية ومعايير التوزيع، والأمر مُماثلُ فيما يخصّ التكايا، فلا توجد رقابة على صاحب التكية وجَودة المواد الخام التي يستخدمها للطّهي، وآلية التوزيع”.

ومن الجدير بالذكر، أنّه استعصى الحصول على معلومات حول عدد مراكز الإيواء، وعدد الجهات الإغاثية التي تُقدّم معونات غذائية للمواطنين، وعدد التكايا وأماكن توزيعها داخل قطاع غزّة، وذلك بعد التوجّه إلى وزارة التنمية الاجتماعية، التي أفادت بأنها لا تمتلك هذه البيانات، وبدورها وجّهتنا إلى وزارة الداخلية “التي لديها هذه المعلومات” على حدّ قول “التنمية”، وهو ما نفته “الداخلية”، قائلةً إنه “تمّت مُراجعة الجهات المعنيّة، وهذا الموضوع ليس من اختصاصنا بل اختصاص جهات أخرى”. ما يعكس- بصورة أوضح- حالة التخبّط والعشوائية التي يُدار بها العمل الإغاثي داخل القطاع.

شجرة فساد مَحميَّة!

هذه الفوضى والتجاوزات ليست “سوءَ إدارة” عابرٍ، سيّما مع طول أمد الحرب؛ بل “تجارةً مُنظّمة” تقتاتُ على جوع النازحين، وفق شهادات عدّة. وفي هذا السياق يُوضح مُنسّق حملة “ووتر ميلون” الشعبية في قطاع غزة، أحمد المدهون، أنّ “ظاهرة تسرّب وبيع الطرود الغذائية تصاعدت لأقصى حد خلال فترة المجاعة وسرقة المساعدات، حين وصل سعر الطرد 1000 دولار أمريكي وصار بيع الطرود مصدر ثروة”. مُبيّنًا أن هذا يتجاوز الفوضى العرَضيّة ليعكس “انهيارًا مؤسساتيًا”، استغلّه عاملون في الإغاثة والحكومة وتجار، ليشكّلوا معًا شجرة فساد مُحصنة بسلطة القرار الذي يمتلكه هؤلاء، تتغذّى على جوع النازحين وتنهب حقوقهم طيلة سنوات الحرب، ليُترَكوا لمزيدٍ من القهر تحت وطأة جنون الأسعار وقلّة الحيلة.

وضعنا الحقائق التي رصدناها أمام مسؤولين ميدانيّين ومُدراءَ مؤسسات ومشاريع إغاثية، مُطالبين بإجابات حول غياب العدالة وهدر حقوق الناس. وفي هذا السياق، أوضح مدير أحد مركز الإيواء في مخيم جباليا، إسماعيل أبو زعيتر، أنّ “معيار توزيع الطرود الغذائية المقدمة من مؤسسات هو الكشوف العامة التي يُعدّها المركز للنازحين فيه وفق الاحتياج وعدد أفراد الأسرة، والمساعدات التي تصل من متبرعين قد يحددون لها معايير خاصة” مُشيرًا إلى اعتمادهم آلية لتحديث الكشوف دوريًا لإضافة النازحين الجُدد. وعن المعايير الخاصة، تُبيّن مُنفّذة المشاريع في منظمة بلا حدود الخيرية، فيروز عوض، أنّ “المشاريع التي تصل من متبرعين تُقيّدهم بمحددات معينة لإعداد كشوف مستفيدين من فئاتٍ بعينها؛ كالأرامل أو الجرحى أو الأيتام، فلا تكون الاستفادة لكلّ المركز”.

الأمر مختلف قليلًا في التكايا داخل مراكز الإيواء؛ حيث يتم هناك حساب ما يكفي من الطعام المطهو للعدد الكلّي للنازحين في المركز، وليس كشوف أسماء (مثلًا قِدر واحد يكفي 50 أسرة) ويُعتمَد التسليم المباشر للشخص الذي يحضر للتكية، وفق ما أفادت به عوض، واتفق معها المدهون.

هذه الشهادات تكشف عدم وجود قاعدة بيانات موحدة للمستفيدين من المساعدات الغذائية في قطاع غزة، ولا معايير استحقاق محددة وواضحة ومُعلنة للناس، وتداعيات هذا على حقّهم المفقود، فيما أجمع كل من قابلناهم من مدراء وعاملين في برامج توزيع الطرود الغذائية، على أن غياب المركزية في البيانات والمعايير، إلى جانب غياب الرقابة، يُعد عائقًا مُركَّبًا وأساسيًا أمام التوزيع العادل.

“من غير المقبول التسليم بممارسات الفساد هذه في قطاع الإغاثة بغزة، ونحن نقترب من إنهاء السنة الثالثة للحرب، إذ لم يُعد العمل الإغاثي حالة طوارئ، بل واقعًا مستمرًا وسيستمر لفترة طويلة مُستقبلًا”، وفق ما يراه د.غنيم الذي قال “لدينا إمكانيات لإنشاء قاعدة بيانات موحّدة للمُستفيدين، ونمتلك تجارب ناجحة لقواعد بيانات ضخمة وموجودة بالفعل كالتي تمتلكها وزارة التنمية، والأونروا، وكذلك قاعدة بيانات توزيع الغاز”.

تمييز جغرافي.. ورقابة مُغيَّبة
 
وعن حرمان أحياء بأكملها من المعونات الغذائية، تكشف تحقيقاتنا الميدانية طبقةً إضافيةً من العوائق متمثلةً في تمييز جغرافي واضح وسوء إدارة منهجي في ملف الطرود الغذائية والتكايا؛ يقول إسماعيل أبو زعيتر “مركز الإيواء الذي أشرف عليه يقع في منطقة مهمّشة، قرب الخط الأصفر (مخيم جباليا)، وهذا يحدّ بشكل فارق ممّا يصلنا من مساعدات وتكايا وخدمات”. ويتفق معه المدهون، موضحًا أن “غالبية المؤسسات لديها اعتبارات وتفضيلات في تحديد مناطق التدخّلات لضمان سلامة طواقمها وسير العمل (كالبُعد عن المناطق الخطِرة أمنيًا، ومدى التنظيم في المخيم). وعليه، تحظى المخيمات التي تتواجد في مراكز المحافظات وتمتاز بتنظيم جيد ووجود لجان فاعلة، تحصل على مساعدات أكبر من المخيمات غير المنظمة أو الموجودة في مناطق طرفيّة داخل القطاع”، لذا تُحرم بعض تجمّعات النازحين تمامًا من الإغاثة.

  4الاحتلال يسهّل سرقة المساعدات ويقتل عناصر تأمينها، TRT عربي،  28/7/2025: https://tinyurl.com/ytk6h6pt 
 5الخط الأصفر: الاستراتيجية الإسرائيلية في إنشاء المناطق العازلة، حمزة ابراهيم محيسن، المركز العربي للأبحاث والسياسات، 14/5/2026 : https://tinyurl.com/4s94yxp7

ورغم وجود قنواتٍ وآليات مُعلنة لدى الجهات الإغاثية لاستقبال الشكاوى، يرى نازحون أنها شكلية وفاقدة للجدوى. يُفسّر لنا هذا، مدير مشروع في مؤسسة إغاثية بالقول “إنّ ثقة الناس في منظومة العمل الإغاثي تراجعت بسبب ما يشوبها من فساد ومحسوبية”. واختلفت معه فيروز عوض التي عزت “استمرار شكاوى المواطنين إلى “كون الحاجة الإغاثية تفوق الإمكانيات والجهود المبذولة”. بينما يكشف محمد إبراهيم واقعًا أخطر “إذ تُواجَه المُطالَبات بضبط الأداء بتهديداتٍ من القائمين على التكايا أو مُقدّمي المساعدات بوقف العمل”، موضحًا أن بعض التجاوزات تُحَلّ عبر “المناصفة في المنافع” للتستّر عليها.

وتُجمِع شهادات العاملين بالإغاثة على غيابٍ مؤسسيٍّ شاملٍ للرقابة؛ إذ تُمارس المؤسسات عملها بعيدًا عن الإشراف الحكومي، مع اعترافٍ منهم بضعف التنسيق مع وزارة التنمية الاجتماعية؛ الجهة الحكومية المسؤولة رسميًا عن الملف الإغاثي. وفي الوقت الذي تعتمد فيه المؤسسات التي قابلناها رقابةً داخلية وتوثيق لغايات التمويل، تكشف الشهادات فجوةً عميقة تُدار فيها المساعدات كاستجابة فردية أو طارئة، وسط غياب المركزية الناظمة، كما أفادت مديرة مركز البرامج النسائية برفح، نجاح عياش؛ ما أنتج واحدة من عقبات عدالة التوزيع وهي “قاعدة البيانات الموحدة للمستفيدين”.

وفي هذا السياق، يقول المدهون “إنّ جمع بيانات النازحين في كثير من الأحيان كانت خطرًا على حياة العامل الإغاثي” لخصوصية الحالة الأمنية بغزة في ظل الإبادة المستمرة. فيما يكشف محمد إبراهيم أنّ “هناك مؤسسات وجمعيات ترفض التنسيق مع الإطار الحكومي في غزة لأسباب سياسية ولضمان استمرارية التمويل”. وبحسب شهادات عدّة “تُوجد رقابة من جهات أمنيّة على الإغاثة، لكن تحكمها أهدافٌ خاصة بمرجعيّات تلك الجهات، بعيدًا عن معايير النزاهة والشفافية”. ما يترك الميدان يتخبّط بين الاجتهادات الشخصية وممارسات الفساد، ليبقى هدف “عدالة الاستحقاق” طموحًا بعيد المنال، في غياب التنسيق الفاعل والرقابة.


“وزارة مُستفيدة ومُحاصَصة خفيّة”

هنا، يتدخّل د.غنيم ليُحمِّل مسؤولية هذا التخبّط الإغاثي للجهات الحكومية من جهة- ممثلةً بوزارة التنمية الاجتماعية- ومؤسسات المجتمع المدني من الجهة الأخرى. وفي قراءته لدور الوزارة، لفت إلى أنّ حكومة الأمر الواقع في قطاع غزة “إمّا تُواجه معضلة (الاستطاعة) في ظلّ فقدان قدراتها وإمكانياتها، وتعجز عن ممارسة دورها الرِّقابي، وتركّز حاليًا على أولويّة استمرار الحكم” وهو ما لا يعفيها من المسؤولية وفق ما ذكره د.غنيم، “فمن يتمسّك بالحكم، من باب أولى أن يُمارس مساءلة/ تنظيم لأهم القطاعات الحيوية في غزة- الإغاثة- ويُتابع حديثه عن “معضلة (الإرادة) بمعنى أنّها لا تريد ممارسة الرّقابة للتغطية على أشخاصٍ، أو لكونها مستفيدة من واقع الفوضى”.

ولم ينجُ العمل الإغاثي من تداعيات الانقسام الفلسطيني المُتواصل للعام 19 تواليًا، بل يزيد المشهد تعقيدًا بطبقة إضافية من ممارسات الفساد، وفق ما كشفه لنا عدد من العاملين الميدانيين، إذ يُوجد نظام مُحاصصة خفي بين الوزارة في قطاع غزة، ونظيرتها التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية عبر كوادرها المُتواجدين في غزة؛ هذا النظام هو الذي يحكم الميدان. وفي الوقت الذي ترفض فيه مؤسسات التنسيق مع “تنمية رام الله” لضمان استمرار التمويل، تُجبَر مؤسسات أخرى على التنسيق مع “تنمية غزة” شرطَ أن تكون للوزارة “حصّة” من المُساعدات بكُشوف خاصة بها من المستفيدين.

   6 بيئة النزاهة والشفافية في عمل التكايا الخيرية في قطاع غزة، دراسة، أمان، 2024  : https://tinyurl.com/4cz48w9t
   7 الانقسام الفلسطيني 2007، الظروف والتداعيات، آية جاد الله، جامعة الخليل 2019 : https://tinyurl.com/msehrt4y

وبحكم اختصاصه، أقرّ د.غنيم وجود هذا النظام الخفي الذي يضمن لكل جهة “حصّتها”. مُسلّطًا الضوء على مدى استطاعة وامتلاك كل جهة- من الوزارة المنقسمة- أدواتَ الرِّقابة والتنفيذ في غزة؛ والتي تفتقر إليها تنمية رام الله، فحتى لو امتلكت معلومات عن فساد لن تستطيع اتّخاذ إجراءات حقيقية، والتنسيق القائم معها من مؤسسات هو بديل للجهات التي لا تريد التنسيق مع حكومة غزة لأسباب سياسية أو لاشتراطات التمويل.وعليه تتحمّل تنمية غزة المسؤولية الأكبر من فوضى الإغاثة لامتلاكها الكوادر الفاعلة والإمكانيات اللازمة- على محدوديّتها. لكن المُعضلة كما يُوضّحها د.غنيم تكمن في “معيار الوزارة بغزة في التعامل مع ملف الإغاثة، فهو غالبًا المصلحة الخاصة وما يضمن لها الاستمرار بالحكم، بعيدًا عن معايير النزاهة والشفافية”.

رسميًا: ما تبرير الوزارة؟

وفي إطار حقّ الرد، واجهنا وزارة التنمية الاجتماعية بالمعطيات التي رصدناها؛ باعتبارها الجهة الحكومية المختصة بتنظيم العمل الإغاثي والحماية الاجتماعية، وأفادت على لسان المتحدثة باسمها في قطاع غزة عزيزة الكحلوت بأنّها “تواصل أداء دورها الوطني والإنساني رغم الضرر الكبير الذي طال مقارها وكوادرها”، مُشيرةً إلى أنّها “تُتابع عمل الجهات الإغاثية لتوجيه التدخّلات للمناطق الأكثر احتياجًا، في ظلّ محدودية الموارد”، ولفتت إلى حرصها على “ممارسة الدور الرقابي والتنظيمي ضمن الإمكانات المتاحة، بإصدار التعليمات والضوابط لعمل المؤسسات والجمعيات، والتأكيد على الالتزام بمعايير الاستهداف وفق درجة الهشاشة والاحتياج، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الفئوية”.

وأقرّت الوزارة بوجود “تحدّيات تُعيق عدالة التوزيع، أبرزها وجود جهات إغاثية تعمل بشكل منفرد دون تنسيق كافٍ، ما يؤدي إلى تفاوت في التغطية وازدواجية الاستفادة”. فضلًا عن محدودية وعدم انتظام المساعدات قياسًا بالاحتياجات، وخطورة الوضع الأمني، فيما تُحاول التغلّب على هذه التحديات “بتعزيز التنسيق مع الشركاء والعاملين في الميدان، وتحديث قواعد البيانات، ووضع أولويات الاستهداف وتطوير آليات المتابعة الميدانية، لرفع كفاءة الاستجابة وتعزيز العدالة في المساعدات.

ولفتت “التنمية” إلى أنّ مكافحة الممارسات غير القانونية، مثل استغلال المساعدات أو الاتجار بها، تتطلّب تكاملًا بين الجهات الحكومية والإغاثية والمجتمعية، وبيئةً تسمح برقابة ميدانية فعالة، مُضيفةً أنّها تستقبل شكاوى المواطنين عبر مقارها وفرقها الميدانية، والقنوات الإلكترونية والهاتفية المُعلنة، وفق الإمكانات المتاحة، ويتم التحقّق منها وتسجيلها واتخاذ الإجراءات اللازمة، بما يحفظ حقوق المواطنين ويعزز ثقتهم بمنظومة العمل الإغاثي، داعيةً إياهم إلى “تقديم الشكاوى مدعومة بالمعلومات، لسرعة التحقق والمعالجة”.

نحو مأسسة العمل الإغاثي 

ولتجاوز الفجوات الحالية، تُشير الوزارة إلى أنها “تعمل حاليًا على تطوير منظومة أكثر تكاملًا، لتعزيز الاعتماد على قاعدة بيانات وطنية موحّدة، وتطوير منظومات رقمية لتسجيل وتتبّع عمليات التوزيع، وتعزيز التنسيق الإلزامي مع المؤسسات والجمعيات العاملة لضمان تكامل التدخلات الإغاثية”.

في المقابل، لم يعفِ د. سامي غنيم مؤسسات المجتمع المدني من المسؤولية، سيّما المحلية منها، ويرى أنها كانت قادرة على “تشكيل جسم رقابي مُوحّد لمأسسة الإغاثة تبعًا لمعايير الشفافية والنزاهة.” وهو طرحٌ يتطابق مع توصيات ورقة سياساتية من إنتاج المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات (مسارات)، بعنوان “نموذجٌ سياساتيّ مُقترَح لإدارة ملف المُساعدت الإنسانية في قطاع غزة”. وقدّمت الورقة بديليْن استراتيجييْن؛ أوّلهما: تأسيس جسم تكنوقراطي مستقلّ يعتمد قاعدة بيانات مركزية وأكواد موحّدة، وثانيهما:اعتماد “آليات وصول آمن” تتبنّى اللامركزية وآلية التوثيق الهجين، وتُراعي ديناميكيّة جغرافيا النزوح. وفي هذا السياق، يؤكّد غنيم أن “لدينا ما نبني عليه لتنفيذ هذه الرؤى”، لضمان أن تتحول الإغاثة من ساحةٍ للتلاعب والتمييز إلى منظومة مؤسساتية تصون الكرامة الإنسانية وتضمن عدالة الاستحقاق.

 8 نموذج سياساتي مقترح لإدارة ملف المساعدات الإنسانية في غزة، مسارات، 2/2/2026  : https://masarat.ps/ar/Article/6830